نذير حمدان

91

حكمة القرآن والحضارة

وإن من مواضع الغبطة المشروعة في الحسد : كما جاء في الصحيح : رجل آتاه اللّه الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها « 1 » . - ( حكمة ) الكتب الحاكمة : وكتب الأنبياء مرجع قضائي مثل ما أنها مرجع تشريعي وتوجيهي ، فقد أنزلها اللّه عليهم بالحق ليحكموا بها بين الناس فيما اختلفوا فيه ( البقرة 213 ) ويحكمون بها للذين هادوا ، وغيرهم ( المائدة 44 ) . وإن من أولى بركتها الحكم بها كما أمر اللّه ، لا لمجرد تلاوتها في الكنس والمعابد والمساجد تغنّيا وترنما ، والقرآن يحكم لها أو عليها ويهيمن على مضامينها ، فقد أنزله اللّه بالحق ( النساء 105 ) و ( المائدة 48 ) ، والكفر والفسق والظلم من صفات المستنكفين عن حكمها ( المائدة 44 ، 45 ، 47 ) . وإذا وصف القرآن التوراة والإنجيل وغيرهما بالنورانية والهداية وحكمية اللّه فإن مثل هذا الإنصاف الحكمي قد وقع في تقدير المنصفين من الكتّاب الغربيين ، ووقع خير منه في نفوس الذين استطاعوا أن يتحرروا من رواسب البيئة الاجتماعية وتقاليدها ، وأقبلوا على الإسلام قناعة ورغبة وتدينا . وذلك حين تفهموا القرآن ليس حاكما ولا راحما فقط وإنما فهموه ( حكما عربيا ) ( الرعد 37 ) و ( رحمة للمؤمنين ) ( النمل 77 ) و ( رحمة للمحسنين ) ( لقمان 3 ) ، ونظاما ربانيا يستوعب الأديان والمتدينين . فالمطلوب من الرسول إذا الحكم بالقرآن فيما اختلف فيه الناس ( النساء 105 ) ذلك لأن في القرآن حكمة اللّه الحكيم ، وفيه الآيات التي لا يعتريها الخلل والتناقض ، فهي محكمة البناء داخلا وظاهرا ( هود 1 ) إنه حكم وحكمة ورحمة وبيان . ومن حكم القرآن وحكمته إحكامه كما أشرت ، فإن إحكام الأمور وإتقانها وإبرازها على الوجه الأصح والأسلم من متطلبات الحكمة . وهذا يقتضي عقلا واعيا مدركا ، وفهما للوثائق والثبوتيات فهما عميقا ، وخبرة عامة وخاصة في أحوال الناس ، ومن أهمها الوضوح في الحكم فلا يتسرب إليه التخريج ، ففي القرآن السورة ( المحكمة ) ( محمد 20 ) ، والآيات المحكمات أم الكتاب ( آل عمران 7 ) ، وهن من إحكام اللّه وإتقانه ( الحج 52 ) حتى كان

--> ( 1 ) البخاري : الاغتباط في العلم والحكمة ( 73 ) ، ويذكره أيضا في باب أجر من قضى بالحكمة ( 7141 ) .